الرد علي دفوع المتهم

الرد على دفوع المتهم

من الذي يتولى الرد على دفوع المتهم ؟

إذا دفع المتهم بتوافر سبب من أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي ، أو مانع من موانع المسئولية كالإكراه أو مانع من موانع العقاب كاعتراف الراشي في جريمة الرشوة أو سبب من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية كالتقادم . 

في هذه الفروض من الذي يتحمل عبء الإثبات ؟

هل يتحملها المتهم استناداً إلي الشق الثاني من القاعدة اللاتينية : أن المدعي عليه يصير مدعياً بالدفع ، أم سلطة الاتهام استناداً إلي قرينة البراءة التي لها سمتها الذاتية في القانون الجنائي ؟

لم يجب القانون صراحة عن هذه التساؤلات، ولذا اختلف الفقه والقضاء في الشرائع المختلفة بالنسبة لها، وفي الحقيقة فإن هذا الخلاف لا يتوقف عن الحد النظري فحسب، بل أن له جوانبه العملية، فالمتهم يخسر كثيراً من الناحية العملية بسبب عدم وجود نصوص تفصيلية لعبء الإثبات.

وأياً ما كان الأمر فإنه يمكن رد هذا الخلاف الفقهي إلي اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول يرى أن الشق الثاني من القاعدة اللاتينية: 

أن المدعي عليه يصير مدعياً بالدفع هي قاعدة عامة مجالها لا يقتصر علي القانون المدني بل يمتد إلي بقية فروع القانون ، ووفقاً لهذا التصور ذهب بعض الفقهاء إلي القول بأن المتهم الذي يدفع بوجود سبب من أسباب الإباحة أو عذر من الأعذار المعفية من المسئولية أو العقاب ، عليه أن يثبت ذلك لأنه يصبح مدعياً في هذه الفروض . 

وقد حظى هذا الاتجاه بنوع من التأييد في مصر ، حيث يرى أد/ مأمون سلامة أنه " لما كان الأصل في الإنسان أنه مسئول عن أفعاله فإن نفي هذا الأصل يقع علي من يدعي به ولذلك إذا دفع المتهم بأنه قد قام لديه مانع من موانع المسئولية فعليه أن يثبت ذلك ، وكذلك الحال إذا قام لديه سبب خاص من أسباب الإباحة أو مانع من موانع العقاب فعليه إثبات ما يدعيه.

أما الاتجاه الأخر فيذهب إلي أنه إذا كان السائد في المواد المدنية أن يلتزم المدعي عليه بإثبات الدفع الذي يتمسك به:

 فإنه لا مجال لهذه القاعدة في الإجراءات الجنائية حيث يفترض في المتهم البراءة ، فإدانة المتهم تعني عدم وجود سبب البراءة ، ولذلك يجب على سلطة الاتهام إقامة الدليل علي كافة شرائط وجود الجريمة والإدانة ، وبالتالي علي عدم وجود أسباب إباحة أو أعذار من الممكن أن تؤدي إلي الإعفاء من المسئولية أو العقاب.

وتأسيساً علي ما تقدم ، فإن يكتفي من جانب المتهم أن يتمسك بالدفع الذي يواجهة التهمة دون أن يلزم بإثبات صحته وعلي النيابة العامة والمحكمة التحقق من مدى صحة هذا الدفع.

لكن نتيجة لمبدأ الاقتناع الذاتي للقاضي فإنه يكون للمتهم مصلحة حقيقية كبيرة في أن يقيم - إذا استطاع - الليل علي براءته، أو علي وجود سبب من أسباب موانع المسئولية أو الإعفاء من العقاب، إذ من الممكن أن يستنبط القضاة والمحلفون من سكوته ومن رفضه الإجابة قرينة في غير صالح المتهم.

وبالنسبة لموقف القضاء أن المستقر عليه في فرنسا هو وجوب أن يثبت أن سلطة الاتهام الركن الشرعي للجريمة وأنه لم ينقض بالتقادم أو العفو، وفيما يتعلق بأسباب الإباحة، فإنه يمكن اعتبار أن تفسير المادة 329ع هو بمثابة قرينة علي الدفاع الشرعي لصالح المتهم، وعند وجود قصور في هذه القرينة يصبح على المتهم أن يقيم الدليل على وجود السبب القانوني المانع للمسئولية.

وأمام محاكم الجنح يبدو أنه على الدفاع أن يثير وجود السبب الذي يتحقق به الدفاع الشرعي، أن لا يقوم بإثباته، وفي هذه الحالة يجب علي القاضي أن يجيب علي ما يثيره المتهم.

وبالنسبة لموانع العقاب ، فإن القضاء يضع عبء الإثبات علي عاتق المتهم ، علي أساس أن ثمة قرينة علي سلامة العقل وحرية الإرادة ، ويبدو ذلك واضحاً فيما يتعلق بالإكراه.

أما في مصر ، فقد استقر قضاء محكمة النقض علي أنه يكتفي بالنسبة للمتهم أن يتمسك بالدفع الذي يواجه به التهمة دون أن يلزم ببيان صحته وعلي النيابة والمحكمة التحقق من مدى صحة هذا الدفع ، فمن المقرر أن من واجب المحكمة بحث كل دفاع جوهري يتقدم به المتهم ، ويعتبر الدفاع جوهرياً إذا كان ظاهر التعلق بموضوع الدعوى المنظورة أمامها ، بحيث لو صح لرتب عليه القانون أثراً قانونياً لصالح المتهم سواء تعلق هذا الأثر بنفي وقوع الجريمة او بامتناع المسئولية أو العقاب أو بانقضاء الدعوى الجنائية.

علي أنه إذا لم يتمسك المتهم بمثل هذه الدفوع أمام المحكمة ، لم يحل ذلك ودون واجب هذه المحكمة في التحقق من مدى انتفائها قبل أن تقض بالإدانة ، فإذا ما كانت أدلة الإدانة كما ذكرتها المحكمة في حكمها تفيد أن المتهم لم يوقع فعل الضرب علي المجني عليه إلا بعد أن بدأه هذا بالضرب – فإن عدم تحدث المحكمة – ولو من تلقاء نفسها ، عن حالة الدفاع الشرعي التي ترشح لها واقعة الدعوى بما يثبتها أو ينفيها يكون قصوراً مبطلاً للحكم ، ولا يغني عن ذلك قولها بأنه لا محل لهذا البحث لأن المتهم ينكر التهمة ، أو أن هذه الحالة منتفية لأن المتهم أصيب في شجار زج بنفسه فيه ، ذلك لأن المحكمة وهي مطلوب منها أن تفصل في دعوى جنائية لا يمكن في القانون أن تكون مقيدة بمسلك المتهم في دفاعه واعترافه بالتهمة أو إنكاره إياها.

ولأن الشجار ليس من شأنه في ذاته أن يجعل من اشتركوا فيه مستوجبين للعقاب بلا قيد أو شرط ، أو ليس من شك في أن الشجار يبدأ باعتداء يخول للمعتدي عليه حق الدفاع الشرعي متى اعتقد أن المعتدي لا يكف عن التمادي في الاعتداء ، ومتى التزم هو في دفاعه الحدود المرسومة في القانون.

كما لا يحق للمحكمة أن تستند في إثبات عدم جنون المتهم إلي القول بأنه لم يقدم دليلاً ، بل من واجبها في هذه الحالة أن تثبت هي من أنه لم يكن مجنوناً وفت ارتكاب الحادث ولا تطالبه هو بإقامة الدليل علي دعواه ، ذلك لا يصح الاعتماد علي أن من يدعي الجنون لم يبدو أنه مجنون في الوقت المناسب أثناء المحاكمة ، لأن ذلك لا يصح الاستدلال به إلا في حق من لم يطعن في سلامة عقله.

رأينا الشخصي: ونحن من جانبنا نرى أنه فيما يتعلق بعبء إثبات طرق الدفاع ينفي التفرقة بين آمرين : 

عبء الادعاء وعبء الإثبات، ونعني بعبء الادعاء أن يقوم المتهم الذي يتوافر في حقه سبب من أسباب الإباحة أو مانع من موانع المسئولية أو العقاب بالدفع بهذا السبب أو المانع لكن يقوم بإثباته ، أما عبء إثبات هذه الأسباب أو الموانع فيقع علي عاتق النيابة و المحكمة ، وذلك علي أساس أن سلطة الاتهام أكثر من المتهم من حيث المكنات والصلاحيات التي تملكها ، وبالتالي فهي أقدر منه علي أن تكشف للقاضي الحقيقة في شأن هذا الدفع ، كذلك فإن الدور الإيجابي الذي يلعبه القضاة في الدعوى الجنائية - وفقاً لمبدأ حرية الإثبات والاقتناع - يفرض عليهم أن يتحروا الحقيقة بأنفسهم ، بل يجب عليهم - من تلقاء أنفسهم - أن يحلوا محل المتهم في استظهار وسائل الدفاع إن لم يقدر المتهم علي ذلك.

Safelik Convert By CreatorFaruk.Com
Done